الصالحي الشامي
67
سبل الهدى والرشاد
الباب الخامس في كيفية الاسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم وهل تكرر أم لا وفيه فصلان : الأول : اعلم أنه لا خلاف في صحة الاسراء به صلى الله عليه وسلم . إذ هو نص القرآن على سبيل الاجمال ، وجاءت بتفصيله وشرح عجائبه أحاديث كثيرة منتشرة عن جماعة من الصحابة يأتي ذكرهم بعد في باب مفرد ، وإنما الخلاف في كيفية الاسراء ، فاختلف العلماء في ذلك على أقوال : الأول وهو قول الأكثر إنه كان بالروح والجسد معا يقظة لا مناما ، من مكة إلى بيت المقدس ، إلى السماوات العلا إلى سدرة المنتهى إلى حيث شاء العلي الاعلى . قال القاضي وغيره : ( وهو الحق وعليه تدل الآية نصا وصحيح الاخبار إلى السماوات استفاضة ولا يعدل عن الظاهر من الآية والأخبار الواردة فيه ، ولا ع ن الحقيقة المتبادرة إلى الأذهان من ألفاظهما ، إلى التأويل ، إلا عند الاستحالة وتعذر حمل اللفظ على حقيقته ، وليس في الاسراء بجسده وحال يقظته استحالة تؤذن بتأويل ، إذ لو كان مناما لقال : سبحان الذي أسرى بروح عبده ، ولم يقل : بعبده ، والعبد حقيقة هو الروح والجسد ، ويدل عليه قوله تعالى ( ما زاغ البصر وما طغى ) [ النجم : 17 ] أي ما عدل عن رؤية ما أمر برؤيته من عجائب الملكوت وما جاورها لصراحة ظاهرة في كونه بجسده يقظة لأنه أضاف الامر إلى البصر ، وهو لا يكون إلا يقظة بجسده بشهادة : ( لقد رأى من آيات ربه الكبرى ) [ النجم : 18 ] . ولو كان مناما لما كانت فيه آية ولا معجزة خارقة للعادة تورث عدم صدقه ، وإن كانت رؤيا الأنبياء وحيا ، إذ ليس فيها من الأبلغية وخرق العادة ما فيه يقظة . وأيضا لو كان مناما لما استبعده الكفار ولا كذبوه ، ولا ارتد به ضعفاء من أسلم وافتتنوا به ، لبعده عن ساحة العادة ، ووقوعه في زمن يستبعد فيه جدا ، إذ مثل هذه المنامات لا ينكر ، بل لم يكن منهم ذلك الاستبعاد والتكذيب ، والارتداد والافتتان إلا وقد علموا أن خبره إنما هو عن جسمه وحال يقظته ) . وقد روى البخاري في باب الاسراء من صحيحه ، وسعيد بن منصور في سننه عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى : ( وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس ) [ الاسراء : 60 ] هي رؤيا عين أريها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الاسراء . زاد سعيد : ( وليست رؤيا منام ) . قال الحافظ : ( إضافة الرؤية للعين للاحتراز عن رؤيا القلب . وقد أثبت الله تعالى رؤيا القلب في القرآن بقوله : ( ما كذب الفؤاد ما رأى ) [ النجم : 11 ] ، ورؤية العين بقوله : ( ما زاغ البصر وما طغى ) [ النجم : 17 ] . وأما ما رواه ابن مردويه عن طريق العوفي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في الآية قال : ( رأى أنه وصل مكة وأصحابه . فلما رده المشركون كان